السيد حيدر الآملي

526

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وأمّا القاعدة الثّانية الَّتي هي في تأويل قوله : اللَّه ُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ . . . فاعلم ، أنّ قوله : اللَّه ُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِه ِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ . . . [ سورة النور : 35 ] . معناه : أي اللَّه وجود السّماوات والأرض وما بينهما في الحقيقة ، لأنّ النور بمعنى الوجود كما أنّ الظَّلمة بمعنى العدم ، لأنّه ليس في السّموات والأرض وما بينهما المعبّر عنه بالعالم إلَّا هو ووجوده ، وإن قلت : هو اللَّه الظاهر في السّماوات والأرض وما بينهما والكلّ مظهره ، يكون تقديره : أن مثل نوره الَّذي هو الوجود مثل نور حسّي في مشكاة فيها زجاجة وفي تلك الزّجاجة مصباح مضيئ أي مظهر لذاته ومظهر لما عداه من الأجسام الشّفافة القابلة للإضاءة ، والمشكاة في هذا المقام يكون عبارة عن عالم الأجسام مطلقا ، والزّجاجة عن عالم الأرواح مطلقا ، والمصباح عن عالم العقول مطلقا ، وبناء على هذا يكون معناه : هو اللَّه الحقّ الظَّاهر في هذه المظاهر والمراتب كلَّها بذاته والمظهر لغيره من الممكنات الموسومة بالمظاهر والمشكاة والزّجاجة والمصباح لأنّ النّور الحقيقي هو الَّذي مظهر بذاته ويظهر الأشياء به كالشّمس مثلا فإنّها كذلك ، أعني هي ظاهرة بنفسها ومظهرة لغيرها ، والحقّ تعالى حيث كان كذلك وأظهر الأشياء بنفسه بعد أن كان ظاهرا بنفسه أزل الآزال وأبد الآباد سمّي بنفسه بالنّور وجعل النّور اسم من أسمائه وذلك لشدّة ظهوره بنفسه وظهور الأشياء به ، وقد يقرّر في بحث الأسماء والمظاهر الأسمائيّة أنّ الشّمس من بين الموجودات وقعت مظهر اسمه النّور ، وكذلك يوسف عليه السّلام وأثر ذلك ظاهر فيهما شايع من أثرهما ، وتلك الأمثال نضربها